أحمد بن محمد المقري التلمساني

220

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

وبالترب منها إذ كحلنا جفوننا * شفينا فلا بأسا نخاف ولا كربا وحين تبدّى للعيون جمالها * ومن بعدها عنا أديلت لنا قربا نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة * لمن حلّ فيها أن نلم به ركبا نسح سجال الدمع في عرصاتها * ونلثم من حبّ لواطئه التربا « 1 » وإن بقائي دونه لخسارة * ولو أن كفي تملأ الشرق والغربا فيا عجبا ممن يحب بزعمه * يقيم مع الدعوى ويستعمل الكتبا وزلّات مثلي لا تعدد كثرة * وبعدي عن المختار أعظمها ذنبا وخط الوزير ابن الحكيم في غاية الحسن ، وقد رأيته مرارا ، وملكت بعض كتبه ، ونثره - رحمه اللّه تعالى ! - أعلى من شعره كما نبه عليه لسان الدين في الإحاطة . ومن نثره في رسالة طويلة كتبها عن سلطانه ، ما صورته : وقد تقرر عند الخاص والعام ، من أهل الإسلام . واشتهر في آفاق الأقطار ، اشتهار الصباح في سواد الظلام . أنا لم نزل نبذل جهدنا في أن تكون كلمة اللّه هي العليا ، ونسمح في ذلك بالنفوس والأموال رجاء ثواب اللّه لا لعرض الدنيا . وأنا ما قصرنا في الاستنفار والاستنصار ، ولا أقصرنا عن الاعتضاد « 2 » بكل من أملنا معاملته والاستظهار . ولا اكتفينا بمطوّلات الرسائل وبنات الأفكار « 3 » حتى اقتحمنا بنفسنا لجج البحار ، فسمحنا بالطارف من أموالنا والتّلاد ، وأعطينا رجاء نصرة الإسلام موفور الأموال والبلاد ، واشترينا بما أنعم اللّه به علينا ما فرض اللّه على كافة أهل الإسلام من الجهاد ، فلم يكن بين تلبية المدعوّ وزهده ، ولا بين قبوله ورده ، إلا كما يحسو الطائر ماء الثماد ، ويأبى اللّه أن يكل نصرة الإسلام بهذه الجزيرة إلى سواه ، ولا يجعل فيها شيئا « 4 » إلا لمن أخلص لوجهه الكريم علانيته ونجواه ، ولما أسلم الإسلام بهذه الجزيرة الغريبة إلى مناويه ، وبقي المسلمون يتوقعون حادثا ساءت ظنونهم لمباديه ، ألقينا إلى الثقة بالله تعالى يد الاستسلام ، وشمرنا عن ساعد الجد في جهاد عبدة الأصنام ، وأخذنا بمقتضى قوله تعالى : وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ البقرة : 195 ] أخذ الاعتزام ، فأمدّنا اللّه تعالى في ذلك بتوالي البشائر ، ونصرنا بألطاف أغنى فيها

--> ( 1 ) نسح الدمع : نجعله يسيل . والسجال : جمع سجل ، وهو الدلو . وعرصات الدار : جمع عرصة ، وهي ساحة الدار ، أو بقعة واسعة بين الدور . ( 2 ) الاعتضاد : الاستعانة . ( 3 ) في أ : « وبنات الإرسال » . ( 4 ) في ه : « ولا يجعل فيها سببا » . وفي الإحاطة : وأن يجعل فيها شيئا .